أحمد بن علي القلقشندي
132
صبح الأعشى في صناعة الإنشا
الأوارج ( 1 ) ، يغني النّاظر ، واستخراج المدارج ، يعنّي الخاطر ؛ والحسبة ( 2 ) حفظة الأموال ، وحملة الأثقال ؛ والنّقلة الأثبات ، والسفرة الثّقات ؛ وأعلام الإنصاف والانتصاف ، والشّهود المقانع في الاختلاف ( 3 ) ؛ ومنهم المستوفي الذي هو يد السّلطان ، وقطب الدّيوان ؛ وقسطاس الأعمال ، والمهيمن على العمّال ؛ وإليه المآب في السّلم والهرج ، وعليه المدار في الدّخل والخرج ؛ وبه مناط الضّرّ والنّفع ، وفي يده رباط الإعطاء والمنع ؛ ولولا قلم الحسّاب ، لأودت ثمرة الاكتساب ، ولاتّصل التّغابن إلى يوم الحساب ؛ ولكان نظام المعاملات محلولا ، وجرح الظَّلامات مطلولا ، [ وجيد التّناصف مغلولا ] ( 4 ) ، وسيف التّظالم مسلولا ؛ على أنّ يراع الإنشاء متقوّل ، ويراع الحساب متأوّل ، والمحاسب مناقش ، والمنشيء أبو براقش « ( 5 ) . فوصف كتابة الأموال بأتمّ الصّفات ، ونبّه من شيم أهلها وشياتهم على أكرم الشّيم وأحسن الشّيات . فقال : هذه الحجّة معارضة بمثلها ، بل باطلة من أصلها ؛ وأين ذلك من قوله في صدر كلامه ؟ :
--> ( 1 ) في شرح دي ساسي : خراج الأوراج يغني الناظر أي العامل ؛ وهو ناظر الديوان . والأوارج تعريب « أواره » بالفارسية . قال قدامة بن جعفر : تفسيرها الناقل ، لأنه ينقل إليها « الأنجيذج » الذي يثبت فيه ما على كل إنسان ثم ينقل ذلك إلى جريدة الاستخراج ، وهي عدة أوارجات . قال صاحب « البرهان القاطع » : أواره هو دفتر الحساب الذي يكتبون فيه ما كان مشتتا من حسابات الديوان . واليوم يقال لهذا الدفتر « أوارجه » . وأنجيذج هو تعريب « أنجيده » بالفارسية ، ومعناه ما تفتّت حتى صار قطعا . ( مقامات الحريري : طبعة دي ساسي - ص : 254 ) . ( 2 ) في المصدر السابق : « ثم إنّ الحسبة حفظة الأموال » . ( 3 ) في المصدر السابق : « في الأخلاف » . والشهود المقانع هم الشهود العدول . ( 4 ) الزيادة من المقامة الثانية والعشرين . ( 5 ) أبو براقش : طائر يتلوّن ألوانا مختلفة في اليوم الواحد حتى قيل : « أحول من أبي براقش » ، جعل مثلا في كل متلوّن ذي وجهين ؛ واسمه مشتق من البرقشة ، وهي النقش والبرقش .